منتديات All-UP

منتديات All-UP

الكل الى الاعلى , افلام , برامج , العاب , مسلسلات , اغانى , مهرجانات , سوفت وير موبايل , سوفت وير كمبيوتر
 
الأحداثالأحداث  المنشوراتالمنشورات  الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 هالــــــــة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد منسى
المدير العام™
المدير العام™
avatar


مُساهمةموضوع: هالــــــــة   الثلاثاء 28 يونيو 2016 - 23:15

–       الفصل الأول –

 وقفت هالة في صالة شقتها الصغيرة وعيناها تجول برضى وتأنٍّ.. فالمخدات الملونة مرصوصة على الكنبة في حالة تأهب وانتظار، ورف الكتب يحوي بانتظام ما تيسر لها شرائه من الكتب، وطاولة الوسط تتوسطها زهرية بها بعض الأزهار التي أحضرتها في عصر ذاك اليوم.. وتقدمت لا شعوريا لتعدل وضع الأزهار في الزهرية وتمسح بعض اللقاح الأصفر الذي تناثر على الطاولة. وتحركت نحو النافذة لتسدل الستائر فبدا الأفق البعيد والشمس تغوص في الحقول رويدا رويدا على امتداد لا نهائي لبصرها تبحث في الحقول الشاسعة عن نقطة واحدة تجمع بين بصرها وغياب الشمس ومرت بخيالها صور متقطعة من حياتها.. من طفولتها في بدروم إحدى البنايات الشاهقة في المدينة.  كانت في طفولتها البريئة لا تعي الفرق بين السكن في البدروم والشقق الفخمة في البناية الشاهقة وتتفاخر بين أتراب الحي بأنها تسكن في تلك القلعة الجميلة الرابضة على كتف الشارع الطويل. ومع الأيام أدركت الفرق كلما انزوت في خجل وهي تنحدر نحو السلالم الرطبة كي تصل إلى شقتهم.. غرفتهم في بدروم البناية.

     كانت الشقة تتكون من غرفة نوم فسيحة متصلة بصالة صغيرة هي مدخل الشقة وعلى يمين المدخل مطبخ صغير به وابور جاز وبعض الأواني القديمة رصت فوق صندوق خشبي طويل حوَّله والدها إلى نملية (خزانة) وضع على أرففها بعض الصحون والبرطمانات والطعام. وبجانب المطبخ حمام عربي صغير، المكان الوحيد للاستحمام والاختلاء وأمور أخرى.

     وفي غرفة النوم سرير عالِ رصت تحته صناديق كرتون أو خشب حوت ثياب وأغراض العائلة.  وفي الزاوية خزانة خشبية صغيرة لثياب الوالدين ولكل ما يعتبر أنه قيِّما من أوراق وأشياء. وفي الزاوية الأخرى صندوقا خشبيا حوَّلته الأم إلى مقعد رصت فوقه بعض المراتب التي تستعملها للنوم في الليل. أما الصندوق الآخر في الصالة فكان بخلاف وظيفته مجلس يحوي بداخله الأغطية والمخدات.  وفي وسط الصالة طاولة مستديرة حولها كراسي قش بيضاء مخصصة لأصدقاء رب العائلة يختلس الجلوس عليها الابن الأكبر هلال ثم هالة وأختها سامية لإتمام واجباتهم المدرسية قبل عودة الأب إلى البيت.

           كانت هذه الشقة عالم الأسرة الوحيد ومملكة الأم الطيبة تدور في أرجائها الضيقة عاماً تلو عام ومع كل عام بطن منفوخ وأطفال يولدون.. فلا تنتهي من حمل ونفاس ورضاع حتى ينتفخ بطنها من جديد، ويزداد وجهها الشاحب بخطوط الألم والحرمان، فتقسو على أطفالها تشتم هذا وتضرب تلك كلما ازدادت قسوة زوجها وجبروته، والأفوه الجائعة قيدْ يحيط برقبته وعلقم يلفظ مرارته نارا ولهباً على أهل بيته.

           وجالت هالة ببصرها في شقتها الصغيرة بنظرة رضى وسعادة، هذه الشقة لها وحدها ولزميلتها التي تشاركها السكن – هذا الهدوء الآسر لها وحدها، لا تدافع وصراخ كخلية نحل ضربها الزلزال بهزة كلما أشرقت شمس الصباح.  لها سريرها وخزانتها تتفنن في رصِّ ثيابها وأغراضها الخاصة، فهذا القسم للفساتين وذاك للبلوز والكنزات الشتوية.   وفي الأدراج وضعت ثيابها الداخلية وثياب النوم.  حلم تحقق بعد مرارة طويلة، تختار ثيابها بنفسها بعد أن اعتاد جسدها على الرث القديم الذي كانت تجود به بعض قاطنات البناية عليها وعلى أمها وأخوتها شفقة أو لقاء خدمات.  ورنَّ في أذنها صوت الجارة الحاد يناديها.

 اذهبي يا هالة إلى الفرن واشتري كيلو خبز وبعض الكعك. 

 وتهرع هالة تحمل بعض الدراهم في كفها الصغيرة فرحة وكأنها تمتلك كنزا ولو لبضع دقائق، وعند عودتها تجري مسرعة وهي تمنِّي النفس ببعض القروش أو بنصف كعكة ساخنة، فتدفع إليها الجارة بتفاحة فسد نصفها أو تعدها بفستان قديم أو حذاء بالٍ.

 ويمتلئ رأسها بصوت أمها يناديها والسباب يسبقه:

 اذهبي إلى أبو العبد(البقال) واشتري رب كيلو شاي بلدي على الحساب فلدى والدك بعض الضيوف الليلة. ولا تنسي أن تمري على أم اسكندر كي تسأليها عما تُريد من أبو العبد وتصرخ هالة في صمت:

 هالة     –  لا أريد أن أطلع عند أم اسكندر فلتأتِ هي بما تريد من أبو العبد.

الأم      – لا تتطاولي على أسيادك يا كلبة.

هالة     – حتى لو قلت لكِ بأن اسكندر يضايقني بحركاته وتحرشاته، إنه سمج سمج..

 الأم      – عيب يا بنت، اسكندر شاب وأنت لسه ما طلعتي من البيضة، لا تتطاولي على الناس الأوادم – والله لو سمعك أباكِ لقتلك.

 هالة     –  لن أذهب عند أبو العبد، لن اذهب.

 وهوت كف الأم على وجه هالة وهي تهرول خارج البيت والسباب يلاحقها.. وتحسست هالة خدها وكأنها تتلقى تلك الصفعات لحظتها، والدموع تغمر عينيها غطت فمها بيدها كي تمنع نفسها من التقيؤ وهي تصرخ بداخلها، لن أذهب عند أبو العبد.. لن أذهب. وتذكرت صاحب البقالة البدين وكرشه المتدلي أمامه يهش لقدومها كلما جاءت تشتري لأمها شيئا، طفلة لم تكمل عامها السابع، يفرح بها ويحتضنها ثم يجلسها على ركبتيه ريثما يجهَّز صبي البقالة طلبات أمها – يشتغل فمها بحبات الشيكولاته اللذيذة، وهي لا تفقه أمر نظراته الجائعة البغيضة وكأنه أمام عنقود حصرم لذيذ، يتحسسه بكفه اللزجة يجوس في الجسد الصغير وهي تتكوم تقززا وقرفا فتبعد يده ويسكت فمها بحبة شيكولاته أخرى وأصابعه تدنِّس طهارة جسدها الطفولي وتحيله إثما بوسع العالم القذر حوله.     

هرعت هالة إلى الحمام والدموع تغطي وجهها والقرف يملأ فمها حتى الغثيان لتغسل وجهها وفمها مرارا، ثم جلست على حافة البانيو حتى استعادت بعض رباطة جأشها، ثم وقفت أمام المرآة لتعيد زينتها، فهي اليوم أمام امتحان صعب، ضوء ينير لها الطريق وهي ما زالت في أول الطريق، شابة في الرابعة والعشرين من العمر، كافحت حتى انتشلت نفسها من بؤرة الفقر والمهانة بإصرارها على إكمال دراستها الثانوية مما أدهش سكان البناية وصاحبها الذي توسط لها بعد إصرار حتى حصلت على وظيفة تضمن لها بعض حريتها واستقلالها في هذه القرية النائبة بعيداً عن عُقَدِ الماشي وآلامه، بعيداً عن زيف المدينة وريائها.

        خرجت هالة إلى الصالة وهي في أوج زينتها ورباطة جأشها وكان الليل قد بدأ يخيم على القرية الهادئة، والليل في خريف القرى يسرع الخطى لتحتضن الحقول قرص الشمس بحنان ودفء، كدفء حضن الأم لوليدها. وتذكرت لحظات الحب والصفاء العائلي على ندرتها وشعرت بحنين جاف لأخوتها، وللمسة حنان صادقة، وكف أمها المعروقة تربت على رأسها المتكئ على صدر الأم المتهدل، وتمنت لو تطير إليها كي تسمع نصائحها وشتائمها، علها تنير لها الطريق وهي التائهة بين الأفق ونقطة البداية، بين الحقيقة والأحلام وبين الواقعية والضياع.

           وانحنت هالة لتضيء مصباح الطاولة وتذكرت كلمات أمها في زيارتها الأخيرة…

 الأم      –  اسمعي يا ابنتي – لكم أسمعتك كلاماً عن الصبيان والرجال، وبأنهم ذئاب كلهم يصلون لغرضهم من الفتاة ثم يرمونها كنواة عفنة في سلة المهملات. قلت هذا ولكن من غلبي ومذلتي مع أبيك ولكن ليس كل الرجال مثله وأنت وقد أصبح علمك وعملك درعا يحميك وقد تعديت سن الزواج المتعارف عليه. يجب أن تفكري الآن بالزواج بعد أن رفضتيه مراراً. فمصير كل فتاة الزواج، طريق مرسوم لها منذ الخليقة زوج يحميها وبيت يسترها.

 وفجأة سمعت هالة قرعا خفيفا على الباب.. هبت وهي تقول:

 لقد وصل رفيق.


((  إن لم يكن شعري كعهدي به


فحسنك الشعر الذي أهوي   ))


م . منسي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد منسى
المدير العام™
المدير العام™
avatar


مُساهمةموضوع: رد: هالــــــــة   الثلاثاء 28 يونيو 2016 - 23:18

الفصل الثاني    –
 فتحت هالة باب الشقة بعد أن نظرت لبرهة خاطفة إلى مرآة المدخل، وعلى عتبة البيت مباشرة وقف رفيق وفي يده باقة من الورد، رتبها بعناية بعد أن قطفها من حديقة منزله.

 رفيق    –  مساء الخير.

 هالة     –  أهلا أستاذ رفيق تفضل.

 رفيق    –  يبدو أنني بكَّرت بالحضور، أرجو ألاَّ يكون ذلك سبباً بإزعاجكِ.

 هالة     –  لا أبداً، تفضل.

           دخل رفيق ووضع باقة الورد على الطاولة ثم جلس على زاوية الكنبة الرئيسية وعيناه تجول تحت نظارته السميكة بأرجاء الصالة في صمت. كان رفيق في أواخر العقد الرابع من العمر، مربوع القامة له شاربين دقيقين فوق فم ممتلئ، تبدو على قسمات وجهه الحنطي اللون طيبة قروية رغم صرامة نظراته.

           وساد المكان صمت ثقيل، وسارت هالة نحو النافذة لترفع الستائر التي أرختها قبل حضور رفيق. وبلمحة خاطفة شاهدت بقايا أشعة الشمس وظلالها ترفرف كعصفور يحتضر وهي تغوص في الأفق والسماء الرمادية تتحول إلى سواد بهيم لتجيش في النفس الأسرار والخبايا، وهي لا تريد لرفيق أن يجوس في خبايا حياتها، فهو أول رجل تسمح له باختراق جدار الصمت في عقلها ولن تقول قلبها. ونظرت إليه خلسة وضربات قلبها تزداد ضجيجا حتى ملأت رأسها. وقالت في سرها.. لن أسمح لأي رجل أن يدخل جدار وحدتي.. هو رجل كبقية الرجال.. لا، كل تلك الطيبة والحنان خبث ورياء.. أجل فسهول الحب في عينيهِ كتاب مفتوح أو نصل سيف يوصلني إلى الاستقرار والأمان أو يرميني انحدارا إلى الهاوية.

           جلس رفيق صامتا حائرا يحاول أن يتجاهل عقارب الساعة وهي تدك رأسه دكاً وهو يراقب تحركاتها خلسة، “فتاة كـــــــــ هالة مثقفة وجميلة ولم تتزوج حتى الآن..  ألها علاقة مع شاب في المدينة؟ لا إنها لا تذهب إلا نادرا.. لربما كان لها أحلام مرت بها كأحلام المراهقات العذارى لكنني ومنذ عرفتها لأكثر من عام كمدرسة في مدرسة البنات في القرية وهي مثال للفتاة الجادة الرزينة، الحنونة على تلميذاتها كحنان الأم على أطفالها – لو قبلت بي ونالني جزء من حنانها لأصبحت أسعد مخلوق في الدنيا – الحب.. يكفي أنني أحبها وسأغدقه عليها حتى تبادلني بعضه وتعوضني جدب وحرمان السنين”.

           اقتربت هالة وعلى وجهها ابتسامة تخفي بها ارتباكها، فبادرها رفيق قائلا:

 رفيق    –  أهنئكِ على ذوقك، فالشقة قطعة هادئة من الجنة، جمعت بساطة الريف برقي المدينة في انسجام وذوق.

           وردت هالة بفرح ظاهر وزهوِ مبطن:

 هالة     –  مجرد إطراء أو إعجاب حقيقي…؟.

 رفيق    –  بل إعجاب حقاً، لا بد أنه ثمار جهد مشترك لفنانين أنتِ وزميلتك. بالمناسبة أرجو أن لا أكون قد أزعجت سعاد بحضوري، هل خرجت حتى…

 هالة تقاطعه – بل هي بالداخل تغسل بعض ثيابها، كما أنني أخبرت صاحبة المنزل التي تسكن في الطابق الأرضي بقدومك… أنت تعرف عادات القرية أكثر مني…

 رفيق    –  طبعاً، طبعاً التقاليد والعادات واجبة، حتى لا يساء فهم زيارتي…

           وتململت هالة في جلستها وقالت وهي تهم رافقة…

 هالة     –  أخذنا الحديث ونسيت أن أقوم بواجبات الضيافة. عذرا ماذا أقدم لك شاي، قهوة أم شرابا باردا…

 رفيق    –  بل فنجانا من القهوة وسط أن كان ذلك لا يتعبك.

 هالة     –  لحظات وأحضره – هاك بعض الجرائد لتتسلى بها إن أردت.

           خرجت هالة من الصالة وعرجت على الحمام حيث كانت سعاد.

 هالة     –  أما زلتِ تغسلين…؟.

           ورفعت سعاد ببصرها عن المغسلة ونظرت إلى وجه هالة بنظرة زلزلت أعماقها فتجاهلتها وأقفلت باب الحمام وهي تهز كتفيها وذهبت إلى المطبخ فملأت الإبريق بالماء ووضعته على الموقد ثم أحضرت البن والسكر، وجهزت فنجانين على صينية صغيرة وكوبا من الماء ثم عادت إلى الموقد لتعمل القهوة، فوضعت البن أولا كما علمتها أمها منذ الصغر ثم أخذت قليلا من السكر في الملعقة فاهتزت يدها وتناثر بعض السكر على نار الموقد واشتعل. جفلت هالة وأخذت تنفخ على النار كي تطفئها كما كانت تفعل في ذاك المطبخ الصغير ويدها تضرب وابور الجاز وصوت أبيها الهادر يصرخ من الصالة “عجلي يا بنت أين القهوة أتحمصين البن وتطحنينه أيتها الملعونة ” وتهرول هالة بركوة القهوة والفنجان على صينية صدئة فتتعثر وتنسكب القهوة على ساقها فتشهق ألماً والقهوة المغلية تلسع ساقها العارية فتوئد الصرخة في صدرها وتهرع لتمسح ما تناثر على الأرض وقدم الأب الغاضب توسع جسدها المكوم ركلا وضربا، وشتائم أمها تنصب عليها كالحمم فتهرب إلى الحمام لتنكمش بجسدها المرتجف خلف بابه المقفل وصراخ أبيها ووعيد أمها مطارقاً تنهال فوق رأسها. ويهدأ الصراخ ويخرج الأب غاضبا صافقا باب الشقة خلفه.. فتشعر هالة بالأمان وتهرع حين تناديها أمها كقطة جريحة تود لو تلعق الحزن من عينيها وتطلب الصفح والغفران.

           وتدفقت القهوة من الإبريق على الموقد، ونظرت هالة حولها كأنها تطمئن نفسها بأنها في شقتها بعيدة عن صفعات أبيها وشتائم أمها… ثم سكبت القهوة في فنجانين ووضعت كوب ماء بارد على الصينية الصغيرة ودخلت الصالة. فوقف رفيق وأخذ منها الصينية فوضعها على الطاولة. وامتدت يده إلى كوب الماء ورشف رشفة طويلة ليبلل جفاف حلقه، ثم قدم لهالة فنجان القهوة وأخذ الآخر. فأطبق على حافة الفنجان بشفتيه الغليظتين واهتز شاربه الدقيق على ابتسامة رضى وقال:

 رفيق    – لذيذة… قهوتك حقاً لذيذة.

           وابتسمت هالة دون أن تعلق… وأخذت فنجان القهوة في يدها وعيناها تراقبه خفية.. “لذيذة” نفس كلمة أبي لكل فتاة تمر أمامه وهو جالس على الكرسي قرب مدخل البناية “لذيذ يا رمان يا رغبة القلب والعين “، الشارب الدقيق والشفاه الغليظة والأدب الجم والتملق لصاحب البناية أو أي من المستأجرين يصرخون باسمه فيهرع كالكرة بين أيديهم، يدحرجونها كيفما شاؤوا… اذهب يا أبو هلال تعال يا أبو هلال… أحضر يا أبو هلال – خذ يا أبو هلال وهو كرقاص الساعة يتنطط حولهم يخدمهم ثم يشتمهم وابتسامته الصفراء تحت شاربه الدقيق كخط فاصل بين الموت والحياة، وخطوط وجهه تزداد عمقا يوما بعد يوم تحت وطأة الإهانة والمذلة… فالفقر مذلة ومن أجل أفواه يطعمها وأجساد يكسيها ينيخ بظهره وينحني، يتنطط أمامهم، يفتح لهم باب السيارة، يحمل حقائبهم ومشترواتهم وهو يصفق فرحا كقرد بحبة بندق، بقروش قليلة يدسها أحدهم في باطن كفه الرخوة… ما يلبث أن يوسعهم بعد ذهابهم شتماً وسباباً بألفاظ تندى لها الجبين. ثم يدخل إلى البيت كبطل أحضر لبن العصفور… كيلو من الفاكهة أو اللحم تكون من نصيب ذكور العائلة وصغارها.

           وتنبهت هالة على صوت رفيق قائلا:

 رفيق    – أراك قد ذهبت بعيداً حتى تعديتِ حدود القرية.

 هالة     – أجل، كنت أفكر بوالديّ واخوتي.

 رفيق    – أصيلة حقاً يا هالة، فالفتاة العاقلة تفكر بلحظات كهذه بوالديها وعائلتها وأنا بدوري لن أتأخر بالذهاب لوالدك لطلب يدك منه والتعرف على والدتكِ الفاضلة وأخوتكِ بعد أن أحصل على مباركتكِ وقبولكِ.

 هالة     – كلك ذوق يا سيد رفيق.

 رفيق    – ما معنى “سيد رفيق” ولماذا عدنا للرسميات.

 هالة     – لأنك صاحب فضل لن أنساه أبداً، بوقوفك معي ومساعدتي منذ حضرت للعمل في مدرسة الفتيات بالقرية.

           وقال رفيق متواضعاً وقلبه يصفق طرباً.

 رفيق   – الفضل لله وحده. لم أقم بسوى ما يتطلبه الواجب نحو مُدرِّسة شابة تتغرب عن أهلها وبيئتها. والفضل لسعاد أيضا التي أخذتكِ شقيقة صغرى.

          وقاطعته قائلة:

 هالة     – أتقدم هذه الخدمات لكل مُدرِّسة جديدة تعمل في القرية؟

 رفيق   – أجل، فمساعدة الغريب واجب على أهل القرية والمدرسين والمُدرِّسات لزملائهم وزميلاتهم الجدد الذين يُعَيَّنون في هذه القرى النائية للمساهمة بتعليم فتيات القرية وفتيانها. فالكرم والطيبة سمةً يتحلى بها أهل القرى عامة. وقد شدني إخلاصكِ بعملكِ واتزانكِ في خلقك وأخلاقك وتعديت بالنسبة إليكِ واجب المساعدة إلى الاهتمام بك بأحاسيس أكثر نبلاً وأصالة……

           واستمر رفيق في الحديث وسرحت هالة وهي لا ترفع عينيها عن شفتيه الغليظتين… كذب كذب… يكذب عليَّ وأكذب عليه… يتملقني كي أرمي له بحبة بندق.. يدس في كفي قروشاً قليلة كي يعقد الصلح بين الذئب والنعجة، ليخنق أنفاسي بين جسده والحائط، لينفض الغبار عن ثوبي القذر… لماذا تأتي ذكراك كنصال تدمي روحي… تعذبني.. آه يا أبي.

           وتذكرت والدها وظرفه مع جميع الفتيات إلا ابنته. فبالرغم من حزنها عليه وحبها الممزوج بالإشفاق والكراهية كانت تشك في صدق ظرفه نحوهن. تراءى لها وهو يهش لهذه الخادمة أو تلك، فتيات صغيرات من عمر ابنته أو يكبرنها بعامين أو أكثر يلاطفهن بحنان كاذب كلما قصدته بخدمة سيدها، ما هذا الغبار العالق على ثوبكِ يا صغيرة.. أو “أمسكي القنديل كي أصلح الكهرباء يا ابنتي..” تصرف لم تفقه هالة المقصد منه. حتى كان يوما وهالة الباكية الحزينة أثر صفعات أمها، محشورة في كوة في بيت السلم حين جاءت وردة، فتاة تخدم في بيت أم اسكندر أثناء النهار، نزل أبو هلال معها إلى المخزن السفلي والعيون الجزعة تراقبهما في صمت وخوف. حتى وصلا إلى ظلمة الدرج السفلي فأمسك بها وحشرها بين الحائط وجسده وهي بين يديه كالنعجة الذبيحة تتلوى، تحاول الإفلات، يتملقها ثم يكيل لها السباب والشتائم.. “يا………… مع اسكندر معليش وتتمنعين عليَّ يا كلبة” سقط ما بقي من قناع أبيها، ذئب مفترس… كصاحب البقالة البدين وعلي صبي الفران واسكندر ابن أم اسكندر… ذئاب كلهم ذئاب ومقولة أمها ترن في أذنيها… “يرمون بالفتاة السهلة كنواة مقرفة أو زجاجة فارغة في سلة المهملات”.

           وتنبهت هالة على صوت رفيق ونظراته ترمقها بتساؤل وشك…

 رفيق    – سعاد تناديك بإلحاح، يبدو أن وجودي قد أزعجها أو حدَّ من حريتها فلتشاركنا جلستنا فهي زميلتنا، وحتما لا تخفي عنها أمورِك شيئاً.

 هالة     – عن إذنك دقيقة، لأستطلع ما تريد.

           ذهبت هالة نحو الداخل لتجد سعاد تقف ببرود على باب غرفتها ثم رمقتها بنظرة تحدِ كاشفة وقالت بتهكم ساخر…

 سعاد    – وهكذا… هوت النعجة المسكينة تحت أقدام سيدها ليعمل بها نهشاً وذبحاً وهي تشرب من نظراته ووعوده الكاذبة – أحلاما كاذبة أنهاراً من الشقاء والعذاب… أنسيت أيتها الغبية… أنسيت…

 وتقدمت هالة إليها بجزع وخوف وهي تضع كفها على فم سعاد مسترحمة.

 هالة     – أرجوك… كفي عني الآن يا سعاد أرجوكِ…

           وخرجت هالة مسرعة نحو الصالة والارتباك بادِ على خطواتها فبادرها رفيق بنظرة تساؤل تجاهلتها وهي ترسم على وجهها ابتسامة مطمئنة وقالت:

 هالة     – ليس في الأمر شيء، لكنها ترغب في كوب من الماء فقط وتأبى الخروج في ثياب المنزل أمامك، وقد اعتدت أن تراها دائما في أحسن هندامها.

 ثم اتجهت إلى المطبخ فأحضرت إبريقاً من الماء وكوباً فارغاً ودخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها وجلست على حافة السرير ونظرت إلى وجهها في المرآة وهي تمرر بالفرشاة على شعرها الكستنائي الطويل تربت عليه كما كان يفعل والدها في لحظات صفاءه وتمنت لو تطير إليه لتستمد منه القوة والسلطان لتبدد الخوف الذي يتملكها في لحظات حياتها الحاسمة. شعور بالرهبة والخوف العميق بالرغم من مظهر القوة والاتزان الذي يبدو على ظاهرها. وتمتمت بكلمات طحنتها بين أسنانها علقما مراً..

 –       آه يا أبي كم كرهتك وأحببتك.

 –       الفصل الثالث   –

 دخلت هالة الصالة وهي تحمل علبة الشيكولاته واقتربت من رفيق وعلى شفتيها ابتسامة هادئة لتقدم له بعضاً من الحلوى فأخذ حبة من العلبة ونظر إلى هالة قائلا…

 رفيق    – هل أقنعتها بالجلوس معنا…؟.

 هالة     – ورجوتها… لكنها رفضت متعللة بأي سبب كي تترك لنا فرصة الحديث وحدنا.

           وانفرجت أسارير رفيق واطمأن بأن هالة تهيئ له الجو كي يدخل في الموضوع مباشرة… وانسابت من النافذة نسمة خريفية باردة والشفق المائل بين الاحمرار والسواد يكسو السماء بلمسات الخالق المبدع.

 رفيق    – إن الحياة في القرية ربما تكون صعبة على المدى البعيد بالنسبة لفتاة من المدينة. لكنني لاحظت منذ عرفتك رغبتك بالهدوء والوحدة وحياة القرية هادئة جميلة يعتادها المرء حتى تتملك قلبه لبساطتها وعفوية أهلها، بالإضافة إلى أنها خير مكان لتنشئة عائلة في أحضان الطبيعة والجمال والتقاليد العربية الأصيلة.

           وردت هالة بعصبية حاولت أن تخفف من حدَّتها قائلة:

–       أهذا عرض للزواج…؟.

 رفيق    – وهل هناك وقت أو مكان أجمل من هذا لأطلب الزواج منك؟

           لم يفاجئها رفيق بطلبه، فقد كانت تنتظره منذ مدة في كل مرة تقع عينه عليها. لكن الخوف الذي قبض على قلبها دفعها إلى التسويف والمماطلة فردت بعصبية قائلة:

 هالة     – يبدو أن الحرية التي أتمتع بها لكوني بعيدة عن أهلي أعطتك صورة خاطئة وأنستك التقاليد والعادات التي كنت تتحدث عنها… فللمدينة أيضا عاداتها وتقاليدها التي لا تختلف عن تقاليد القرية القائلة بأن طلب الزواج يكون مع والد الفتاة وأهلها لا معها مباشرة.

           وارتبك رفيق واهتز شاربه الدقيق بعصبية وقال بامتعاض…

 رفيق    – لا تظلميني يا هالة، فأنا أدرك تمام الإدراك التقاليد والعادات التي لا تختلف هنا عن هناك والغرض من زيارتي كان لسببين أو أكثر:

           أولها للتأكد من عدم وجود شخص آخر في حياتك من المدينة إذ كانت العلاقة بيننا ومنذ عرفتك علاقة عمل جادة كالعادة والعرف ثم تطورت إلى زمالة وصداقة تمر بين مدّ حيناً وجزرَ وجفاف حيناً آخر. من ابتسامة تمنِّي بالأمل وعزوف يعيدني إلى نقطة البداية وأنتِ على علم ودراية بمقصدي بالتقرب منكِ ولكن كل ذلك تاريخ مضى ووجودي معكِ الآن أكبر دليل على قبولكِ بالفكرة.

           وثانيها للاستطلاع عن مدى اقتناعكِ وميلك نحوي كي تضحي بحياة المدينة من أجلي ومن أجل بيت سعيد نرسي قوائمه سويا رغم فارق السن بيننا الذي احتويته بنضوج واتزان أخجلني أما عن شخصي فأنت أعلم بمكانتي الاجتماعية والأدبية في القرية وسيرتي وأخلاقي…

 هالة     – أرجوك لا تكمل… لم يكن قصدي إحراجك، فأنت من خيرة رجال القرية سيرة وأصالة وبالمقابل ماذا تعرف أنت عني وعن عائلتي…؟

 وانبرى رفيق قائلا:

 –       لا يهمني ذلك في شيء –  يكفي أنني وجدت فيك ضالتي التي طالما حلمت بها. فتاة جميلة مثقفة، أخذت من حياة المدينة دافعا لتعمق معرفتها بأسباب الحياة. فتاة متزنة، ناضجة تركت حياة المدينة البراقة ربما بألوان الكذب والرياء كي تجاور الجمال والطبيعة وتعيش بساطة أهل القرية وطيبتهم – ألا يكفي أن أعرف عنكِ كل ذلك… ؟

 هالة     – لكنك لا تعرف عني شيئا، حتى عدد أفراد عائلتي… أو أين نعيش أو كيف يكدح والدي من طلوع الشمس حتى غيابها كي يسد بالكاد حاجة الجوع لعائلة كبيرة. لا تعرف حالة الضنك والمشقة التي عشتها حتى نلت شهادتي التي أعمل بها كي أعيل نفسي وأسدد بعض الدين لوالدي. تعرف هالة بمظهرها الهادئ الرزين وتجهل كل شيء.. كل شيء..

           وأشاحت بوجهها عنه وهي تكبح جماح عواطفها التي تفجرت كشلال من الألم والقهر دون إرادتها – انسابت أسرار حياتها تتدفق من لسانها دون وعي أو لجام وتدفقت الدموع من عينيها كي تلجم لسانها الذي أفرط في القول والبوح دون رقابة من عقلها الذي لم يثق برجل من قبل. كيف خانها عقلها بلحظات كهذه وهو الحارس الذي يبقى مستيقظاً ليل نهار لا يتركها لحظة دون رقابته وسلطانه – خانها أمام رفيق في لحظة تغيب أو لحظة ضياع حتى أسرَّت له عن جانب من حياتها.

           وكان رفيق ينظر إلى هالة في تلك اللحظات بانبهار وشغف، ممنياً نفسه بها… حلما طالما راوده حتى كاد قظار الزواج أن يهمله وأمه تصر عليه بالزواج من ابنة خاله أو ابنة عمه أو هذه الفتاة أو تلك ويرفض باستمرار منتظرا حلما وقد تحقق. فتاة جميلة في تواضع، مكافحة في صمت – فقيرة بكبرياء، قوية لكنها بحاجة إلى ذراع تستند إليه.

           وتحركت عواطفه نحو الفتاة الباكية أمامه فقام من مجلسه وتقدم منها كي يجلس بقربها – ليخفف عنها ويمد لها يده كي تستند إليها… وقال وقلبه عصفورٌ يصفق فرحاً وحبوراً..

 رفيق    – لقد كبرتِ في عيني يا هالة كجبل شامخ – وزاد حبي واحترامي لك، فالفقر ليس عيباً والحاجة ليست مذلَّة والعمل الشريف الذي تقومين به من أجل عائلتك يفوق كنوز الدنيا… فهنيئا لهم بابنة مثلك وهنيئا لي بثقتك بي.. فكلانا كافح وجاهد كي يعلو بنفسه وعائلته. ويحق لنا الآن أن نرتاح لرفيق وشريك حياة يفهم ويقدر ويخفف عن الآخر الآلام والمآسي. فالعالم أسرار ومآسي… وأنت يا هالة السر الجميل الذي كافأني به صبري.

           وامتدت يد رفيق تربت بحنان على كتفها ثم على الكف النائمة على ساقها بمحاولة للتخفيف عنها، كي تتمالك دموعها، فدموع المرأة سلاح رفضه منذ الصغر، فإناث عائلته كن يعتمدن عليه لنيل أي مأرب، دموع التحايل والضعف، لكن هالة تنزف دموعا من جرح عميق لا يقوى عليه سوى بعض الرجال والقليل القليل من النساء وهالة زينتهن… وتدفقت مشاعره نحوها فاقترب حتى لامسها ويده تربت على كفها برفق وحنان.

 وانتفضت هالة فجأة وهي تشعر بأنفاس رفيق تقترب منها، كفحيح أفعى تتسحب خلسة، أو كفتيل قنبلة ستنفجر – قنبلة صماء – تتبعثر أشلاؤها الحارقة وهي ملجومة اللسان لا تقوى على الصراخ سوى بتوسل عينيها الدامعتين. الجاحظتين إلى سقف الغرفة في الشقة الصغيرة وفحيح الأفعى يقترب واليد الآثمة تتسحب خلسة تحت الغطاء لتستكشف جسدها الصغير، تبحث عن المجهول، وهي ترتجف خوفا وتقززا… ما الذي يريده منها…؟ ولماذا يتسحب هلال إلى فراشها خلسة كلما هدأ صرير سرير والِديها ثم علا صوت شخير والدها أو هدأت أنفاسه المتلاحقة. كانت لا تفقه سببا لتصرفاته الرعناء حين يمتطي كرسيا ليرى خيال جسدها الصغير وهي تيتحم؟؟ من خلف الزجاج المحجر الكثيف فتصرخ مستنجدة بأمها فيقفز مسرعا ويبدأ بالنقر على الباب لحاجته لاستعمال الحمام وتعلل تصرفاته بالطيش أو المناكفة التي كثيرا ما تحدث بين الأخوة، فهو الأخ الذي يتوجب عليه حمايتها كما يفعل والدها الذي يأمرها زجراً وشتماً بأن تدخل البيت كلما رآها تحادث أحدا من صبية الحي خوفاً من أن ينهش جسد ابنته ذئب مثله أو مثل صبي الفران أو البقال البدين. مع ذلك بدأت تشعر بالخوف على نفسها وعلى جسدها الذي بدأت تنفتح عليه أكمام الأنوثة المبكرة.

 وفي ليلة شتائية باردة كانت هالة ترقد ملتصقة بأختها الصغيرة تمدها وتستمد منها الدفء. ومع هدوء الليل وظلمته بدأ صرير سرير والدها يعلو وينخفض كأجراس تنذر بالخطر وعيناها معلقتان في السقف بترقب وخوف حتى عاد السكون المعتاد يتخلله شخير والدها متجانساً مع أنفاس النائمين، عندها هدأت هواجس الخوف واسترخت هالة في فراشها وهي تضم ذراعيها على الحصرمتين في صدرها وأغلقت عيناها استجلابا للنوم.

 وأفاقت هالة مذعورة من غفوة قصيرة لتجد هلال ممدا بجانبها متظاهراً بالنوم ويده تتسحب نحوها تحت الغطاء، فاشتعلت النار في قلبها والغصة في صدرها قنبلة لا تقوى على الانفجار والصراخ خوفاً من صحوة أبيها على حشرجة الموت في صدرها، المارد فوقهما يقف صارخا ” فذرة سأقتلكما قبل أن تلحقا بي العار ” وتكورت حول جسدها وهي تضم أطرافها حول نفسها وكقطة جريحة غرزت أطافرها في اليد الآثمة حتى صدرت من حلق الذئب آهة ألم وأخذ يجر يده جراً إلى فراشه بعيداً عنها.

 وفي الصباح نظرت إليه بتحد، دون أن تتفوه بكلمات، كطلقات الرصاص تقتل صلة الأخوة بينهما وقالت باستهزاء بارد….

 هالة     – مم هذه الجروح في يدك…؟

 هلال    – خربشة قطة الجيران.

 هالة     – سيقتلك لو عرف…

 هلال    – ستجلبين العار واللعنة على نفسكِ ولن يصدق كذبكِ أحد.

           وضحك ضحكة أبيه الماجنة وهرول خارجا.

 – الفصل الرابع –

           توالى النقر الخافت على الباب ثم تواصل وعلا حتى صرخت هالة بصوت مبحوح لا إرادي ” اذهب يا هلال اذهب ” وضمت ذراعيها حول جسدها وهي مكومة خلف الباب ثم توقفت وقفزت واقفة حين أدركت أنها في حما شقتها… ” متى وكيف جئت إلى الحمام ” وسمعت صوت سعاد يناديها.

سعاد – افتحي يا هالة… افتحي.

          ونظرت هالة إلى وجهها المكسو بالهزيمة والدموع ثم إلى المغسلة المليئة برائحة القيء النتن وأدركت سبب وجودها وقالت بصوت مبتور:

هالة – أذهبي الآن، لا أرغب في رؤية أحد.

سعاد – ورفيق الذي ما زال ينتظر في الصالة…؟

هالة – فليذهب إلى الجحيم.

سعاد – بصوت خافت – اخرجي وقولي له ذلك ، فهو مصرِّ على أن يراكِ قبل ذهابه.

هالة – أخبريه أنني أشعر بتوعك ولا استطيع أن أرى أحداً.

ردت سعاد وفي صوتها علامات الرضى والفرح.

سعاد – سبقتك بهذا العذر، لكنه مُصِّر على أن عنده ما يقوله لكِ قبل ذهابه.

وخرجت هالة بوجه رمادي قاتم ذهبت عنه ألوان الحية فتقهقرت سعاد إلى الوراء تسبقها شهقة استنكار وخوف.

سعاد – ما الذي فعلتيه بنفسكِ.

هالة – كنت أغسل وجهي، ما شأنكِ بي، أغربي عني الآن أرجوكِ.

سعاد – كيف أترككِ لحالك – ومن يفهم آلامكِ غيري.. أنظري إلى وجهكِ الجميل الذي تحول إلى صحراء قاحلة، إلى جبل الجليد لا حياة فيه سوى جمرتين تنطلقان من عينيك شراراً لتضرم النار في نفسي، فأطهرها.

سعاد باستنكار – كل ذلك من أجل رجل؟ من هو رفيق هذا كي تحطمي نفسك من أجله؟

ونظرت هالة إليها بنظرات ذات مغزى وسارت وهي تتمتم.

هالة – ” رفيق هذا ” كان فرصتي الأخيرة للخلاص، للخلاص منكِ

ومدَّت سعاد يدها كي تمسك بـ هالة أو ربما كي تؤخر دخولها إلى الصالة… فتجاهلتها واتجهت هالة إلى الصالة بخطوات لا إرادية مترددة تجرها إلى مصيرها المجهول ثم وقفت برهة عند الباب لتلتقط أنفاسها.

هالة – رفيق، أرجو أن تقبل مني اعتذاراً صادقاً لتصرف بدر مني رغم إرادتي، فلن أغفر لنفسي ذهابك غاضباً.

وقاطعها رفيق بصوت جريح:

رفيق – كفى كذبا وتمثيلاً كفى… كذبت عيناك حتى أوهمتني بالثقة والإخلاص وكذب لسانك حتى صدقت آلامكِ وأحلامكِ… وكنت طوال المدة تتسلين بقلبي وبعواطفي. دمية تحركينها بالصبر والأحلام – تمثلين البراءة والطهر، والفقر والقناعة حتى اقتنعت بأنك جوهرة فريدة خصني الله بها وقد سقط القناع فما أنت سوى إحدى الأخريات.

هالة بتوسل – رفيق لا تظلمني أرجوك.

وضحك رفيق ضحكة هستيرية متوترة وقال:

رفيق – أظلمكِ… بل ظلمت نفسي، منذ لحظة حضوري شعرت بانني أثرت في نفسكِ الشجون والذكريات التي لم تترك مجالاً للشك بأنني قد جئت إلى حياتكِ متأخراً بعد أن سبقني أخرون. تركوا بصماتهم واضحة في ترددكِ حفظاً لذكراهم، متعللة بالتقاليد والشوق إلى الأهل حيناً ثم جرأتك في تشجيعي حتى الوصول إلى مبتغاكِ. كيف أصدّق لسانك الكاذب وقد بصقت عيناكِ في وجهي واحتج قلبك رفضاً لوجودي فاهتز دنساً أثر لمسة حنونة بريئة – كيف أصدق نظرات البراءة في عينيكِ تتزينين بها للصيد، حلية جميلة يتقلب بها وجهك حتى صدقتها، وكذبّت ما نطقت به عيون الآخرين.

ثم تطلع إلى وجه هالة والدموع تغمره بنظرة استجداء؟؟ ترجوه ان يترأف بها ويدها الممدودة تتمسك بأهداب أوهى من خيوط الأمل.

وأشاح رفيق بوجهه متمماً كلامة….

رفيق – كفى.. فلقد أهنت بدموعك الكاذبة رجولتي وكرامتي، ولا أود أن أسمع منكِ شيئاً أو أرى.

وأتجه إلى باب الشقة وفتحه وصوَّبَ إليها نظرة شملتها من رأسها حتى أخمص قدميها، نظرة جردتها من ثيابها وما يكسو من جسدها حتى بدت كإناء عارٍ فارغ من كل إنسانية أو شعور.

ودوى الباب صافعاً وخطواته تتباعد ثم تذوب وهالة مسمرة في وسط الصالة والطنين المدوي يخترق أذنيها ويملأ راسها، كرأس شبح محطم عرَّته نظرات قاتلة كجمجمة يزحف الفراغ منها، كدبيب نمل على مسام جسدها لتعتريه قشعريرة جليدية. فتهاوت في وسط الصالة ومدت يدها إلى الزهرية التي تتوسط الطاولة فامسكتها بقوة ورمتها والندم يعتصرها نحو باب الشقة لتفقأ تلك النظرات المعلقة القاتلة، نظرات رفيق تعريها بمذلة حتى الصميم. ودوى صوت تحطم الزجاج وتناثر مع الماء والأزهار على الأرض والأثاث، وصوت حشرجة ألم خافتة تخرج من صدر هالة وهي تمد كفها إلى جرح أصاب خدها من شظية زجاج طائر – ” أخ قتلتني أيها الوغد، ذئب بصورة حمل وديع نهش الروح مني وترك الجسد لفتات نفس معذبة، أخ “.

وأجهشت ببكاء مرير واختلطت دماؤها بالدموع، تبكي طفولة تعسة وشباباً تدمر بذكريات جارحة أليمة، فحياتها سلسلة من دموع ودماء والمستقبل قاتماً مظلماً مجللاً بالهزيمة والعار.

وصرخت هالة بألم وسعاد تمسح الجرح بقطنة مبللة وأجهشت بالبكاء من جديد قائلة:

هالة – ذهب رفيق يا سعاد – ذهب إلى غير رجعة.

كتمت سعاد انتصاراً اشتعل نشوة في قلبها فربتت على كتف هالة قائلة:

سعاد – اطمئني، إنه جرح بسيط يدمل سريعا ويعود لوجهكِ إشراقه.

هالة – وجرح قلبي وندوب كرامتي وعمري.

سعاد – تدملها وتشفيها كما دملت جروح ذكرياتكٍ المؤلمة.

هالة – ندوب الذكريات آه لو تندمل… بل تبقى معشعشة في النفس حتى تأتي لحظة صدق عابرة فتبرز إلى السطح ببشاعة وظلم كي تفضح نفسها، كما فضحتني نظراته… كما فضحني صدقه…

قالت سعاد بلهجة آمرة وهي تربت على كتفيها بحنان وحب،.

سعاد – كُفَّي … كُفَّي عن إيلام نفسكِ وتعذيبها. أمن أجل رجل آخر كبقية الرجال… ثم أردفت:

لقد كان يوما مشؤوما منذ البداية، أستنزف كل طاقة وقوة لديك؟ قومي إلى غرفتكِ فجسدكِ بحاجة لبعض الراحة والنوم ريثما أجهز شيئا نأكله.

ونهضت هالة متثاقلة وتمددت على سريرها في شبه غيبوبة وسعاد بجانبها تحضنها بحنان لم تعرفه على صدر أمها المثقل بالخضوع والألم، تهدهدها بكلمات صادقة مفعمة بالاهتمام وبالحب. تملؤها ثقة وأمان افتقدته في كنف والدها القوي، تداعب شعرها المخضب بالألم كما يداعب الريح اغصان شجرة عارية دون جذور.

وامتد زمن القهر يكسو جسد هالة الناحل وانامل سعاد تجود في صحرائه القاحلة لتفجر فيه ينابيع وأزهار لم تألفها أو تعرفها من قبل، تمائمّ مؤودة وأنهار مياهها وحلّ وطين. وانطلق المارد في أعماقها كي ينتقم من سنوات القهر والجدب الطويلة، ليرتعش جسدها بنشوة وتتناثر حبات العرق تملأ مسام وجهها بالغثيان؟


((  إن لم يكن شعري كعهدي به


فحسنك الشعر الذي أهوي   ))


م . منسي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
هالــــــــة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات All-UP ::  القسم العام :: منتدى الروايات-
انتقل الى: