منتديات All-UP

منتديات All-UP

الكل الى الاعلى , افلام , برامج , العاب , مسلسلات , اغانى , مهرجانات , سوفت وير موبايل , سوفت وير كمبيوتر
 
الأحداثالأحداث  المنشوراتالمنشورات  الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 الدثار

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد منسى
المدير العام™
المدير العام™
avatar


مُساهمةموضوع: الدثار   الأربعاء 29 يونيو 2016 - 13:39

الدثار

 

          رمى محسن بجسده المتعب على كرسيه المفضل في صالة بيته، واضعاً كفيه على ركبتيه يدلكهما بما بقي بيديه المتعبتين من قوة.

          وما ان استكان الرجل في وضعه حتى شعر بقشعريرة باردة تخترق مسام جلده وتنخر بعظام انهكتها الهموم والايام. فقام متثاقلاً وقرَّب المدفأة الكهربائية من قدمية المرتعشتين وأحضر دثاراً من الصوف الملون كان على ذراع الكنبة القريبة منه. بسطه بين يديه ثم جلس على كرسيه ومدّ بساقيه فوق المدفأة القريبة منه ثم فرد الدثار على قدميه وهي يتحسس غرزاته غرزة غرزة بحنان وحب.

          وشرد محسن بفكرة، فتراءت له زوجته جالسة في المقعد المقابل له وفي حجرها أكوام من كرات الصوف من كل شكل ولون وأناملها المعروقة تتحرك برتابة وانضباط وهي تحيك هذا الدثار الملون. ويتذكر حديثهما حينذاك حين قال لها مشفقاً . .

          لقد انهكت عينيك يا أم جلال، فالحياكة تتعب ذراعيك وتنهك بصرك، فلمن تصنعين هذا الدثار، ولم يبق احد من اولادك او احفادك الا ولبس رداء او ثوباً حكته له بيديك. أريحي نفسك فالشتاء لن يهلّ الا بعد أشهر طويلة.

          ويذكر محسن ردّ زوجته والغصة في حلقه.

          قالت ام جلال وهي ترفع ببصرها اليه خلف نظارتها السميكة.

          الشتاء يا زوجي يختبىء لنا خلف كل نافذة وباب، ولهذا أسرع بحياكة هذا الدثار لأهديك اياه قبل حلول الشتاء كي يدفىء ركبتيك ويحمي جسدك من البرد.

          ولماذا تستعملين كل هذه الألوان والأشكال . . . وبقايا كل ما لديك من الصوف . . ؟

          لأن لكل من هذه الألوان والكرات مناسبة وحكاية، تتذكرها كلما بسطت الدثار على قدميك او جسدك. فمن اللون الرمادي حكت كنزة لابننا جلال حين دخل الجامعة. ومن ذاك البني حكت له “جاكيت” أخذها معه حين سافر مع عروسه لشهر العسل. ومن نفس اللون حكت كنزة لحفيدنا محسن. ومن تلك الألوان الزاهية حكت لابنتنا من فساتين وكنزات لمناسبات شتى. ومن هذه الكرات الناعمة الزاهية الألوان حكت لصغار الاطفال من أحفادنا حين ولادتهم وفي الأعياد والمناسبات . . .

          ولهذا وضعت بين غرزات هذا الدثار ذكريات وتاريخ عائلتنا الصغيرة كي تدفىء جسدك وقلبك كلما تدثرت به او اشتدّ بك الشوق لرؤية احدهم.

          ولماذا أرضى بالدثار صحبة وأولادي واحفادي مع قربهم، تشغلهم الحياة عنا بصخبها وضجيجها.

          هذه هي الحياة، فالشباب عمل وجري متواصل لمحاربة الزمن والوصول الى سراب.

          أتذكرينني بشيخوختي وعجزي . . ؟

          ليت الشباب يعود يوماً . . . لكنك ما زلت في عيني يا زوجي أكثر الشيوخ جمالاً وهيبة.

          وانحدرت دمعة على خد الرجل العجوز، اختلطت بسائل انحدر من فتحتي انفه، فقرب الدثار من وجهه ولثم أطرافه والدموع الصامتة تحرق أخاديد وجهة وتزيد من حزنه وألمه.

          وتمتم الرجل بكلمات صامتة سمعتها خوالج قلبه . . “حكمتك يا ربي بأن تسبق منيتها منيتي فتتركني وحيداً أعزل أعيش قسوة فراقها، سجيناً داخل أسوار حزني، لا جار يقرع باب بيتي ولا قريب أو بعيد يسأل عني”.

          وتنبه الرجل فجأة لخطوات تهرول على سلم البيت. فمسح وجهه بكفيه وهمّ بالوقوف ليسرع ليفتح الباب قبل أن يقرع الجرس.

          لكن الخطوات استمرت في الصعود الى الطوابق العليا للبناية. عاد محسن الى وضعه السابق وامتدّت أنامله الى الدثار فقربه من صدره كي يهدأ من ضربات قلبه التي تسارعت مع الخطوات المتعاقبة خارج بيته.

          وحين هدأت نفسه وانفعاله نظر الى الخلف حيث طاولة الطعام ليتأكد من أنها ما زالت في أجمل زينة، فالصحون والشوك وكل ما يلزم موضوع بدقة وترتيب وتتوسطها بزهو زهرية بها بعض الورود الاصطناعية قال الرجل لنفسه . . .

          كلها ثوان ويحضر جلال وعائلته ومنى وعائلتها فيمتلىء البيت بحديثهم وصراخهم ويمرح الأطفال بين أثاث البيت وجدرانه فتعود لتلك الجدران الحياة مع بسمة الاطفال وضجيجهم بعد ان جفت عروق حوائطه من الصمت المطبق والحزن.

          ومن اجل ان يجعل لقاء العائلة سعيداً وممتعاً أصرّ أبو جلال على ابنائه وأحفاده ان يحضروا جميعاً الى بيت العائلة للاحتفال بعيد رأس السنة على ان يطهوا لهم بنفسه كل ما تشتهيه أنفسهم من طعام وحلوى، وهو الذي تدرّب على يد زوجته حتى بزّها في طهي الطعام وعمل الحلوى.

          وقرر الرجل في نفسه انه لن يقلب المواجع مع ابنائه، فيذكر وحدته وقسوتهم في بعدهم وانشغالهم عنه، فالمرء لا يحب ان يسمع احزان الآخرين وهمومهم، حتى من أقرب الأقربين اليه.

          أما زوجته فسوف تشكر السماء على لقائهم وتشاركهم بروحها تجمّعهم في البيت الذي بنته معه بالحب والتضحية.

          ودبّ النشاط في جسد العجوز مع اقتراب موعد اللقاء. يوماً ينظف البيت ويوماً آخر يذهب لشراء ما يلزم لطهي الطعام والحلوى.

          وفي اليوم الأخير من السنة نهض محسن باكراً وكأن قوة هائلة دبت في جسده الضعيف فأكمل ما أهمله في الأيام السابقة من تنظيف وطهي. وبعد ان أتمّ ذلك صبّ الطعام في مواعين وضعها في الموقد، ثم جهّز طاولة الطعام فوضع عليها الغطاء المخصص للمناسبات الخاصة كما تفعل زوجته، وأعاد تنظيف الأكواب والصحون حتى بدت كالمرايا. وكلمسة اخيرة وضع زهرية بها بعض الورود الاصطناعية في وسط الطاولة ورش بعض العطور في أرجاء الصالة.

          وبعد ان نظر محسن الى صورة زوجته المعلقة على حائط في صدر الصالة وتراءت له ابتسامتها علامة للرضى والسعادة، ذهب كي يجلس على كرسيه المفضل وقد انهكه الجهد والتعب من العمل طيلة النهار.

          وصل جلال بسيارته الى الحي القديم في وسط المدينة وأخذ يدور ويدور بحثاً عن موقف يكون قريباً من منزل والده. وبعد أن عثر على موقف، نزل وعائلته ثم اتجهوا جميعاً الى مدخل البناية حيث منزل والده. فوجد شقيقته منى وزوجها وأولادها بانتظاره. وبعد السلام بادرها جلال يقول:

          لقد تأخرت كثيراً في الحضور يا منى والجدير بك كابنته الوحيدة ان تكوني هنا منذ الصباح كي تساعدي العجوز في طهي الطعام وترتيب المنزل.

          وأجابته منى وهي تنظر الى زوجته:

          ولماذا لم تحضر انت باكراً، فسيارتك تنقلك بسرعة أنت أو من شئت حيثما أردت.

          وحسمت زوجة جلال الموقف بسرعة قائلة:

          لا بد ان القلق قد استبد بوالدك لتأخرنا جميعاً، ولن يسلم أحد منا من توبيخه او عتابه . . .

          وقال محسن (ابن جلال) وهو يصعد السلالم مهرولاً . .

          لن أنتظر نهاية لعتابكم، فأنا في غاية الجوع ويمكنكم الاستمرار في العتاب بعد ذهابي لأنني على موعد لقاء مع بعض الأصدقاء.

          وقرع محسن جرس الباب بقوة مرة بعد مرة . . ثم صاح من أعلى الدرج:

          يبدو أن جدي قد نسي الموعد ونام.

          ووصل جلال ومنى وزوجها وقرعوا جرس الباب بدورهم وطرقوا عليه بقبضة يدهم . . دون جدوى.

          وفتح جار والدهم باب بيته المقابل لشقة والدهم كي يستطلع امر هذا الضجيج.

          وقالت الجارة: لقد رأيته مراراً بين الأمس واليوم، محملاً بأكياس كثيرة، وهو في أحسن حال من القوة والنشاط.

          وتكاثر الرجال على باب الشقة في محاولات شتى حتى كسروا قفل الباب واقتحموا الشقة. وتسمرت الأقدام والعيون أمام ذلك المشهد المروّع . . فهناك على المقعد في ركن الغرفة. . كان العجوز ما يزال ممداً على كرسيه المفضل، جثة هامدة متفحمة، والنار ما زالت مشتعلة بالمقعد والدثار الملون الذي تحولت الوانه الى رماد وسواد.

          واختنقت الدمعة في الأعماق، فالطعام الذي أعده لهم كان لا يزال في الموقد ينتظر . . وطاولة الطعام كانت لا تزال بأبهى حلة تنتظر لقاء العائلة السعيد.


((  إن لم يكن شعري كعهدي به


فحسنك الشعر الذي أهوي   ))


م . منسي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الدثار
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات All-UP ::  القسم العام :: منتدى الروايات-
انتقل الى: