منتديات الكل الى الاعلى All-UP

أبوالأنبياء.. فى أم الدنيا

اذهب الى الأسفل

default أبوالأنبياء.. فى أم الدنيا

مُساهمة من طرف محمد منسى في السبت 9 يوليو 2016 - 8:36

ربما كانت حقيقة، وهى إلى الحقيقة أقرب منها للخيال بأن الرسم الموجود على جدران إحدى مقابر بنى حسن مركز قرقاص بصعيد مصر، الذى يمثل وفدًا أتى مصر في السنة السادسة من حكم الملك الفرعونى سنوسرت الثانى، ويتألف من وفد مكون من سبعة وثلاثين شخصاً من البدو رجال ونساء وأطفال ارتدوا ملابس صوفية مزركشة، وترك الرجال فيه لحاهم جالبين معهم الهدايا التي حملتها الحمير لحاكم منطقة بنى حسن.. هذا الرسم قد يمثل زيارة أبى الأنبياء إبراهيم عليه السلام وأسرته إلى مصر، حيث تظهر أربع نساء، ثلاثة منهن بملابس متشابهة مغطاة الأكتاف كعادة النساء الآسيويات، أمَّا زىّ الرابعة فيترك فيه الكتف اليسرى عارية كعادة ملابس نساء الفراعنة، وعليه كما جاء في أحد المراجع الألمانية التي نشرت الرسم بأن زمن زيارة الوفد يعود إلي عصر إبراهام «إبراهيم» ومن هنا فإن رئيس الوفد هو إبراهيم عليه السلام والنساء الأربعة هن زوجته سارة وزوجة لوط وزوجة أليعازر الدمشقى، أما الرابعة ذات الزى المصرى فهى هاجر ومما يؤكد انتماء اللوحة الفرعونية فى مقبرة بنى حسن إلي زيارة سيدنا إبراهيم لمصر أن الرسم ليس موجودا في مقبرة في الدلتا أو الجزء الشمالى من الوجه القبلي، ولكنه موجود في بنى حسن قرب ملوى مما يوحى بأن سبب الزيارة شىء آخر غير الهجرة أو التجارة، كما أن قدوم وفد للتجارة ليس بالأهمية البالغة التي تستحق التسجيل، فقد ظلت وفود التجارة الآسيويين تفد إلى مصر طوال حكم الأسرة الحادية عشرة لمدة 65 سنة، والأسرة الثانية عشرة لمدة 215 سنة ليستمر الوضع على ذلك حتى استيلاء الهكسوس علي مصر، كما أن الرسم يظهر الآسيويين غير مقيدين أو ساجدين للفرعون لتخليد انتصار المصريين علي إحدى الغزوات الآسيوية للحصول على الحبوب عندما يصيب القحط بلادهم، بل علي العكس فالرسم يظهر القادمين مرفوعى الرأس ومعهم رماحهم وفي موكب يحمل الهدايا، هذا إلى جانب أن الكتابة الفرعونية المصاحبة تقول «ويتقدم الجماعة رئيسها حاكم البلاد الأجنبية» ومن المُسلم به أن إبراهيم عليه السلام كان رئيساً للجماعة التي صاحبته إلى مصر وكان من القوة بحيث يقال إنه قد ملك دمشق ومن هنا فاللقب ينطبق عليه، إلي جانب أنه إذا ما كانت الزيارة لأسباب سياسية لتوقيع معاهدة كمثال لوجب تسجيل ذلك على جدران أهم المعابد وذكر الدولة التي يمثلها كما حدث عندما عقد رمسيس الثانى معاهدة عدم الاعتداء مع الحيثيين.

ولما كان إبراهيم فى زيارته إلي مصر قد قابل كهنة أون ومنف وهيراكليوبوليس ودعاهم إلي الإيمان باللـه الواحد الذى لا يُرى، فكانت تلك المبادئ تتعارض مع ديانة البلاد مما استحال معها تسجيل الزيارة على جدران أحد المعابد الكبرى، فاقتصر تسجيلها فقط علي جدران مقبرة حاكم الإقليم الذى يكون قد آمن سرًا بإبراهيم عليه السلام وأراد بتسجيل الزيارة في مقبرته أن يسجل حسن معاملته للرجل المبارك الذى يحميه إلهه من كل سوء، حتى يكون شفيعاً له في أمام محكمة قضاة الآخرة..

وحول تلك الزيارة التاريخية النورانية في مسيرة إبراهيم عليه السلام التي أهدت للمسلمين هاجر وإسماعيل وزمزم والصفا والمروة والكعبة المشرفة ومقام إبراهيم وحِجر إسماعيل وأذان إبراهيم للحج الركن الخامس في الإسلام.. زيارة مصر التى حدث عنها أبوهريرة بأن رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم قال: «لم يكذب إبراهيم النبى عليه السلام قط إلا ثلاث كذبات: عند قوله (إنى سقيم) ـ مُدعيًا المرض ليتركه الجمع لينفرد بتحطيم الأصنام ــ وقوله بل فعله كبيرهم هذا) ـ بعدما وضع القدوم على كتف كبير الأصنام ــ والثالثة في شأن سارة، فإنه عندما قدم أرض جبار ـ فرعون مصر ـ ومعه سارة، وكانت أحسن الناس، فقال لها: إن هذا الجبار إذا ما علم أنك امرأتى يغلبنى عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختى، فإنك أختى فى الإسلام، فإنى لا أعلم فى الأرض مسلما غيرى وغيرك، فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار فأتاه قائلا: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغى لها أن تكون إلا لك، فأرسل إليها فأتى بها، فقام إبراهيم عليه السلام إلى الصلاة، فلما دخلت عليه ــ الجبار ـ لم يتمالك أن بسط يده إليها فقفبضت يده قبضة شديدة ــ شلّت يده ــ فقال لها: ادعى اللـه أن يطلق يدى ولا أضرك ففعلت مرتين، فعاد فقبضت أشد من القبضتين الأوليين، فقال: ادعى اللـه أن يطلق يدى فلك عهد اللـه ألاّ أضرك. ففعلت وأطلقت يده، ودعا الذى جاء بها فقال له: إنك إنما أتيتنى بشيطان ولم تأتنى بإنسان، فأخرجها من أرضى وأعطها هاجر. قال: فأقبلت تمشى فلما رآها إبراهيم عليه السلام قال لها مهيم ــ كيف حالك ــ فقالت خيرًا كف اللـه يد الفاجر وأخدم خادمًا. قال أبوهريرة: فتلك أمكم يا بنى ماء السماء».

مسيرة هجرة ممتدة تكاد خطواتها تصل إلي خمسة عشر ألف كيلومتر على مدى سنوات عمره التي بلغت مائة وخمسة وسبعين عاماً قال عنها كما جاء في سورة العنكبوت: «وقال إنى مهاجر إلي ربى إنه هو العزيز الحكيم»، وبدايتها بدعوته إلي اللـه في (أور) ـــ علي الضفة الجنوبية لنهر الفرات في العراق وعلى بُعد 150 كيلومترا غربى البصرة ـــ ثم تكسيره للأصنام ومحنة إحراقه وخروجه من النار سالماً «يا نار كونى بردًا وسلاماً علي إبراهيم» ثم خروجه من أور ومروره ببابل ومقابلته مع حمورابى الذى حاجّه في ربه وكيف أفحمه إبراهيم بالحُجة فبُهت ليأتى ذكرهما فى سورة البقرة «ألم تر إلي الذى حاج إبراهيم في ربه أن آتاه اللـه الملك. إذ قال إبراهيم ربى الذى يُحيى ويُميت قال أنا أُحيّى وأميّت. قال إبراهيم فإن اللـه يأتى بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب فبُهتَّ الذي كفر واللـه لا يهدي القوم الظالمين».. ومن بعدها يعود إبراهيم عليه السلام إلي حاران حيث مات والده، ثم ذهابه إلي حلب وبعدها إلى دمشق ثم حبرون، فزيارته لمصر وإهداء هاجر لسارة، ثم اتخاذه هاجر زوجة، ثم استجابة اللـه لدعائه فكان ولده الحليم من هاجر وهو إسماعيل، وتتوالي الأحداث إذ يأمره اللـه أن يهاجر بهاجر وولده الذى طالما تمناه ليتركهما بوادٍ غير ذى زرع بمكة مدركًا أنهما في رعاية اللـه، حيث نالها الخير الكثير من بعدما تفجرت عين زمزم، ويشب إسماعيل في البادية علي خير ما يكون الشباب رامى القوس راكب الخيل فصيح لغة العرب، بعدما أحاطته قلوب جُرهم والعماليق الذين أصبحوا أهله وعشيرته، ثم كان بناء إبراهيم بيت اللـه الحرام بمكة بمساعدة إسماعيل، ثم أمر الذبح والفداء، ثم تشريع الحج.. ويالها من أحداث جُسام في حياة كلها ارتحال وكفاح..

و..دونما كل البشر.. دونما كل المرسلين والأنبياء.. وحده إبراهيم الخليل من نصلي ونسلم ونبارك عليه وعلى آله، ما أن نصلى ونسلم ونبارك على سيدنا محمد سيد البشر أجمعين فى نهاية قراءتنا للتحيات مع ختام كل صلاة من صلواتنا الخمس.. وإذ يقال لنبينا محمد صلي اللـه عليه وسلم «يا خير البرية» فيرد قائلا: «ذاك إبراهيم».. ويصفه بعدما أُسرى به في ليلة الإسراء والمعراج بقوله: «عُرض علىّ الأنبياء فإن موسي ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى بن مريم عليه السلام فإذا أقرب من رأيت شبها عروة بن مسعود، ورأيت إبراهيم صلوات اللـه عليه فإذا أقرب من رأيت شبها صاحبكم ــ يعنى نفسه ــ ورأيت جبريل عليه السلام فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية» ــ وكان دحية الكلبى من أجمل الناس صورة وكان من المهاجرين الأوائل المسلمين إلي الحبشة.

ويروى البخارى ومسلم الحديث النبوي القائل: «ونظرت إلي إبراهيم، فلا أنظر إلي إرب ــ جزء ــ من آرابه إلاّ نظرت إليه منى، كأنه صاحبكم»، وقوله لابنته رقية يوم زواجها بذى النورين عثمان بن عفان «إن بعلك أشبه الناس بجدك إبراهيم وبأبيك محمد».. وفي حديث الإسراء والمعراج لمّا عُرج به صلي اللـه عليه وسلم ومعه جبريل عليه السلام إلى السماء السابعة فوجدا إبراهيم الخليل مسندًا ظهره للبيت المعمور، فقال جبريل للمصطفي: «هذا أبوك فسلِّمْ عليه، فقال رسول اللـه: فسلمتُ عليه، فرد السلام قائلا: مرحباً بالابن الصالح والنبى الصالح»، وعن ابن مسعود رضي اللـه عنه قال: قال رسول اللـه صلي اللـه عليه وسلم: «لقيتُ إبراهيم ليلة أُسرى بى فقال: يا محمد اقرئ أمتك منى السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان اللـه، والحمد للـه، ولا إله إلا اللـه، واللـه أكبر»، وقوله عليه الصلاة والسلام مفاخرًا بالأنساب الطاهرة: «أنا ابن الذبيحين» ويعنى والده عبداللـه بن عبدالمطلب، وجده إسماعيل بن إبراهيم، وقوله باعتزاز لعمه «دين أبينا إبراهيم» ولم يقل دين إبراهيم فقط.. ويتفرد صاحب العبقريات عباس العقاد فيسمو بوصفه للحظة قدسية حمل فيها رسول اللـه صلي اللـه عليه وسلم وليده إبراهيم من مارية المصرية، فيكتب صاحب الفكر والقلم العبقرى: «طفل نَظَرَ إليه أبوه يوم مولده فامتد به الأمل مئات السنين بل ألوف السنين وتخير له الاسم الذي بعده أعقاب كأعقاب ـ جدّه ــ الأعلى إبراهيم».. لكن مشيئة اللـه فوق مشيئة كل البشر فقد اختار إلى جواره إبراهيم وهو لم يزل في مهده وكان أمل سيد البشر..

إبراهيم بن آزر (تارح) بن ناحورا بن ساروغ بن راغو ابن فالغ بن عابر بن شالح بن ارفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام.. وأمه يون بنت كربتا بن كرثى من بنى أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام، وقد ولد إبراهيم لآزر وعمره ٧٥ سنة، كما ولد لآزر ناحور وهاران ــ الذى ولد له لوط عليه السلام ــ وبهذا يكون لإبراهيم أخوان هما: ناحور وهاران، ويكون لوط ابن أخيه باران الذى مَاتَ في حياة أبيه آزر، كما مات الأب آزر فى حران وسنه ٢٥٠ سنة، وكان أهلها يعبدون الكواكب.. وقد ولد لإبراهيم ابنه البِكرى إسماعيل من هاجر المصرية التي دفنت في جوف الكعبة جهة الجدار الشمالى، وإسحاق من سارة التي ماتت قبل إبراهيم في حبرون وعمرها ١٢٧ سنة، فاشترى إبراهيم مغارة المكفيلية بقرية «حبرون (مدينة الخليل الحالية)» بأربعمائة مثقال فضة ودفنها فيها ــ حيث جاورها بعد وفاته عام ١٨٢٥ ق.م ــ ثم تزوَّجَ من قنطورة بنت يقطن الكنعانية العربية، فولدت له ستة ذكور هم: زمران وبقشان ومادان ومدين وشياق وشوح، كما تزوج بعد وفاتها الحجون بنت أمين العربية العمورية، فولدت له خمسة ذكور هم: كيسان وسورج وأميم ولوطان ونافس، وبهذا يكون قد ولد لإبراهيم علي امتداد عمره ١٣ ولدًا مع العلم بأنه لم يرزق بابنه البكرى إسماعيل من هاجر إلا وهو في الـ٨٦ من عمره قبل مولد إسحق من سارة بثلاثة عشر عاما، هاجر التى حاول كاتبو التوراة التقليل من قدرها وذلك بتكرار وصفهم لها بالجارية، وهى وإن كانت قد أهديت لسارة كجارية إلا أنها فى حقيقتها أميرة من أميرات إحدى مقاطعات مصر هزم الفرعون قومها وسباها، وقال الطبرى إن عمرو بن العاص لما فتحَ مصر أخبرهم بوصية النبي صلى اللـه عليه وسلم بهم. فقالوا: هذا نسب لا يحفظ حقه إلاّ نبى لأنه نسب بعيد. وقالوا له: إن هاجر كانت امرأة لملك من ملوكنا، ووقعت بيننا وبين أهل عين شمس حروب انتصروا فيها فقتلوا الملك وسبوها، ومن هنا اقتيدت إلي أبيكم فرعون.. ومما يؤيد هذا القول إن فرعون أهداها هى بالذات لسارة لأن وجودها في بلاطه كان يشكل حافزًا لقومها للثورة عليه لتخليص ملكيتهم منه، لذلك رأى إبعادها كلية من البلاد بإهدائها إلى وفد الآسيويين ليرحلوا بها بعيدًا عن مصر، فهي إذن ليست بجارية بل أميرة تم أسرها ولها من شرف المحتد وعراقة الأصل ما جعلها تعامل الفرعون بعد أسرها بأنفة وكبرياء، وما جعلها تهرب من غيّرة سارة إلى حيث العراء ولا تعود إلا بأمر ملاك ولا يتركها المولي مع وليدها في ظمأ فيفجر لها زمزم في قلب الصحراء ــ ولما وُلد إسماعيل أوحى اللـه لإبراهيم يبشره بإسحق من سارة، وقد دفن إسماعيل بالحِجر شمالي الكعبة المشرفة، وهو الحِجر المعروف باسمه «حجر إسماعيل» وله من العمر ١٣٧ سنة، ويُنسب عرب الحجاز أجمعين إلى ولديه نباط وقيدار، وعند وفاة إسحق وله من العمر ١٨٠ عاماً دفنه ابناه عيصو ويعقوب في مغارة المكفيلية مع أبيه إبراهيم وأمه سارة، ويعيش يعقوب والد سيدنا يوسف فى قرية صفط الحنة بمحافظة الشرقية على أطراف مدينة فاقوس، وتوفي وهو في الـ١٤٧ سنة بعدما أوصى يوسف بدفنه في مغارة المكفيلية في حبرون «الخليل» إلى جوار أبيه إسحق، وجده إبراهيم الخليل، وقد حنطه الكهنة المصريون ثم دفنه يوسف تبعاً لوصيته في حبرون، وبعد إحدى رحلات إسماعيل إلى اليمن وكان عمره وقتها يناهز الخمسين عاد ليجد والدته هاجر قد ماتت فى مكة ودُفنت بالحِجر بجوار الكعبة، وفي موسم الحج التالى حضر إبراهيم عليه السلام وعلم بوفاة هاجر زوجته وأم ولده البِكر إسماعيل فقام بعزاء الابن وعاد إلي حبرون، وتلك كانت آخر رحلاته إلي الحجاز..

إبراهيم عليه السلام من ذكرت قصته فى خمس وعشرين سورة وفي ثلاث وستين آية من القرآن الكريم بعضها ورد بالإسهاب وبعضها أميل إلى الإيجاز، كما ارتبطت سيرته عليه السلام بسيرة ابن أخيه لوط عليه السلام، وبسيرة ولديه إسماعيل وإسحاق عليهما السلام، بل ارتبطت سيرته بسيرة كل من جاء بعده من الأنبياء إسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وشعيب وموسى وهارون وإلياس وداوود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام أجمعين، وكان مسك الختام سيد ولد آدم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، ومن هنا كان إبراهيم الخليل الجدير وحده بلقب «أبوالأنبياء» الذى أوحى اللـه تعالى لحبيبه المصطفي أن يقص على المسلمين أخباره وشأنه العظيم «واتل عليهم نبأ إبراهيم» بل وأمره باتباع ملّة إبراهيم في قوله «ثم أوحينا إليك أن اتبع ملّة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين».. دعوة إبراهيم التي قال عنها صلي اللـه عليه وسلم «أنا دعوة أبى إبراهيم وبشارة عيسى» وتلك الدعوة التى يشير إليها المصطفى هى في قوله تعالى «ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحِكمة ويزكيهم».. دعوة إبراهيم كما ذُكرت بالقرآن بدأت بأبيه وتحذيره من عبادة الأصنام التي يصنعها كآلهة بيديه الماهرتين علي هيئة الإنسان إلاّ أن أذنيه كبيرتان ويحمل السلاح المقدس ويربض تحت قدميه وحش ويسأل إبراهيم أباه: لماذا أذنا التمثال كبيرين، فكان الجواب لأنهما ترمزان إلي الفهم العميق، وانتهت دعوته لأبيه باعتزاله له لعله يرتدع، وقد كان قوم إبراهيم يعبدون الكواكب والنجوم ضمن آلهتهم، وفي الليل رأى كوكب المشترى أو الزهرة ليسائل نفسه هل هذا هو الإله كما يدّعى قومه؟ ولكن بعد ساعات يغيب الكوكب إذن فحركته مقيدة مرسومة والإله يجب أن يكون حرًا يفعل ما يشاء، ويرى القمر في أوج تماما لكنه بعد ساعات يغيب القمر ويصير هلالا لا يكاد يري وتدور دورة القمر من جديد في حركة مقدرة مرسومة له فهو إذن ليس حرًا كإله إن شاء طلع وإن شاء غاب، ثم فى النهار رأى الشمس أكبر من القمر ولو كان أحد الكواكب هو الإله لوجب أن تكون الشمس، لكن الشمس مالت للمغيب وغربت وغرب ضوءها لتعود لتشرق في مواعيد مقدرة مسيرة مجبورة.. ويجول إبراهيم ببصره في السماء يتلمس الهداية، وفي لحظة مشرقة تجلى له الحقيقة ويهبط عليه وحى السماء يهديه إلي اللـه الواحد الأحد خالق الكون والسماء والكون والكواكب والشمس والقمر «ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين».. ويستدرج إبراهيم قومه في محاكمته العلنية بعدما أطاح بآلهتهم للاعتراف بعجزها، ومن أنها لا تنفع ولا تضر، وأبدى تبرمه «أفّ لكم» بقلة عقلهم لعبادتهم هذه الأصنام من دون اللـه.. «قالوا حرّقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين».. رموا إبراهيم بالمنجنيق إلى النار فاستقبله جبريل عليه السلام ليسأله: ألك حاجة يا إبراهيم؟ قال أما إليك فلا. قال جبريل: فاسأل ربّكَ فقال عليه السلام: حسى من سؤالي علمه بحالى. حسبي اللـه ونعم الوكيل، فقال اللـه عزّ وجلّ: يا نار كوني بردًا وسلاماً علي إبراهيم» وأبدًا لم تذكر التوراة أن إبراهيم قد ألقى في النار.. وعندما يريد اللـه منح إبراهيم التجربة الذاتية المباشرة في أمر البعث يقول له: «قال فخذ أربعة من الطير فصُرْهُن إليك ثم اجعل على كل جبلٍ منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا، واعلم أن اللـه عزيز حكيم».. إنه سر هبة الحياة، وقد رأى إبراهيم هذا السر يقع بين يديه، فهذه طيور فارقتها الحياة، وتفرقت في أماكن متباعدة تدب فيها الحياة مرة أخرى وتعود إليه سعيا ــ وقيل هى الديك والطاووس والحمام والغراب كيف؟ هذا هو السر الذى يعلو على التكوين البشرى إدراكه فهو الشأن الخاص للخالق الذى لا تتطاول إليه أعناق المخلوقين وفي ذلك قال رسول اللـه صلي اللـه عليه وسلم «ليس الخبر كالمعاينة».. وهنا للصوفية رأى آخر ــ كعهدنا بهم ــ فيذكر الألوسي فى «روح المعاني بالجزء الثالث صفحة ٣١» بأن الطيور الأربعة إشارة إلى طيور الباطن فى قفص الجسم وهى العقل والقلب والنفس والروح، وذبح طير العقل يكون بسكين المحبة على باب الملكوتو وذبح طير القلب بسكين الشوق على باب الجبروت، وذبح طير النفس بسكين العشق في ميادين الفردانية، وذبح طير الروح بسكين العجز في تيه عزّة أسرار الربانية، وليوضع العقل علي جبل العظمة، والقلب علي جبل الكبرياء، والنفس على جبل العزّة، والروح علي جبل جمال الأزل، ثم ينادي عليهم بصوت سر العشق يأتينك سعياً إلي محض العبودية بجمال الأحدية!!..

وجاءت البشارة بإسحق عليه السلام بإرسال رسل من الملائكة علي هيئة بشر لإبراهيم الخليل وزوجه سارة، وكان المولى قد أرسلهم إلى مدائن قوم لوط ليدمروها عليهم، فحسبهم الخليل عليه السلام ضيوفا فشوى لهم عجلا سميناً ووضعه بين أيديهم «فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة»، فقالوا مهدئين من روعه: «لا تخف إنّا أرسلنا إلى قوم لوط» فسمعت سارة امرأته فضحكت واستبشرت عقابا من اللـه علي قوم لوط وأفعالهم القبيحة «وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب» فصكْت وجهها وقالت متعجبة وقد طار فؤادها بالبُشرى: «قالت يا ويلتى آلدُ وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب» فقالت الملائكة «إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون».. وكان إبراهيم عليه السلام يزور زوجه هاجر وابنه إسماعيل في مكة بعدما تركهم في الوادى الموحش المقفر الذى انسابت فيه عين زمزم كمعجزة ليس لها مثيل، وفي إحدى زيارات إبراهيم عليه السلام رأى أن اللـه يأمره بذبح ولده إسماعيل، ورؤية الأنبياء حق لأنها بمثابة الوحى من اللـه فقال لولده إسماعيل «إنى أرى في المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى» قال الابن الصابر المحتسب بارًا بوالده: «يا أبت افعل ما تؤمت ستجدنى إن شاء اللـه من الصابرين»، «وفديناه بذبح عظيم» وقد كان الذبح العظيم في الموقف العظيم قرباناً وسُنَّة إلى يوم القيامة.. ووكل سبحانه وتعالى لإبراهيم بناء البيت الحرام الذى أصبح مقصده ركناً من أركان الإسلام ومن شعائر الكبار «وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى»، وقال عز وجل «ومن دخله كان آمنا» أى لا يجوز التعدى علي من دخل البيت الحرام، وتلك كانت دعوة إبراهيم عليه السلام حين قال: «رب اجعل هذا بلدًا آمنا وارزق أهله من الثمرات»، وشَرَعَ سبحانه أن يُتخذ مقام إبراهيم مصلى وأن يكون أحد مناسك الحج والعمرة هذا وجميع المصادر الإسرائيلية لا تدل علي أن سيدنا إبراهيم الخليل قد صنع شيئاً لنشر دعوته، وكل ما ورد عنه فيها أنه كان يقيّم مذبحاً في كل منزل من منازل الطريق ثم ترك البلاد جميعها في رعاية الأحبار..

ويرفع إبراهيم وإسماعيل قواعد البيت المعمور حجرا حجرا «وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم»، «ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم» يختمان دعاءهما بالتوبة لأن العبد مهما يكن مقامه لابد أن يعتريه التقصير، وكان المصطفى يستغفر اللـه ويتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة، وتم بناء البيت العتيق ومات إبراهيم عليه السلام، وتتابعت السنون حتى بعث اللـه خاتم النبين وسيد المرسلين وجاءت ليلة المعراج ليُلقى إبراهيم عليه السلام في السماء السابعة مُسندًا ظهره إلي البيت المعمور.. لقد استحق ــ كما قال ابن كثير ــ إبراهيم الخليل عليه السلام هذا المقام الرفيع، فبعدما بني لأهل الأرض البيت الحرام كان مقامه ومحله وموضعه في منازل السماوات عند البيت المعمور، الذى هو كعبة أهل السماء السابعة، المبارك المبرور، الذى يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة يتعبدون فيه، ثم لا يعودون إليه إلى يوم البعث والنشور»..

اللـهم صل وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت وسلمت وباركت علي سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.



((  إن لم يكن شعري كعهدي به


فحسنك الشعر الذي أهوي   ))


م . منسي
avatar
محمد منسى
المدير العام™
المدير العام™


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى